البنك المركزي والسياسات النقدية السورية

17-02-2007

البنك المركزي والسياسات النقدية السورية

الجمل:    البنك المركزي السوري هو المؤسسة الحكومية الرسمية التي تتولى المسؤولية عن العلميات النقدية الرئيسية في اقتصاد القطر العربي السوري، ومن ثم فإن البنك المركزي عن طريق إدارته لهذه العمليات، إنما يؤثر على أداء المؤسسات النقدية والمالية السورية، على النحو الذي يهدف إلى تقديم الدعم والمساندة للسياسات الكلية الاقتصادية والمالية والنقدية.
إن الدور الوظيفي الذي يقوم به البنك المركزي يؤدي بالضرورة إلى جعل البنك يمثل جزءاً هاماً وأساسياً ضمن دائرة الجهاز الحكومي الرسمي السيادي في الدولة السورية، وعلى هذا النحو يمكن القول: إن عمليات وأنشطة البنك المركزي لا يمكن أن تتجزأ أو تنفصل بأي حال من الأحوال عن عمليات وأنشطة هيئات ومؤسسات وإدارات ووزارات القطاع الحكومي الرسمي وشبه الرسمي.
يتميز البنك المركزي السوري بوضع دستوري، وهو وضع –من المفترض- أن يكفل للبنك المركزي الاستقلالية في أداء مهامه وصلاحياته. والأساس في إعطاء البنك المركزي وضعاً دستورياً يقوم على اعتبارات أن البنك المركزي السوري يعمل بمثابة الكيان المسؤول عن عملية خلق النقود وضخ السيولة في الاقتصاد الوطني السوري.
يوصف البنك المركزي بأنه (مركزي)، لأنه يقوم بتشغيل المراكز والمفاصل المحورية في النظام النقدي والمالي الوطني، إضافة إلى قيامه بقيادة وتوجيه السوق النقدي، وأيضاً الاضطلاع بعملية التنظيم والإشراف والرقابة والمتابعة لأداء المؤسسات المصرفية والبنكية في سوريا.
وجود البنك المركزي السوري على قمة المؤسسات النقدية، وممارسته للسلطة النقدية العليا، هما اعتباران يستندان إلى قدرة البنك المركزي السوري –المفترضة- في التأثير على الأوضاع النقدية والائتمانية والمالية في الاقتصاد الوطني، خاصة وأن الدولة في سوريا، قد ألقت على عاتق البنك المركزي مسؤولية تخطيط ورسم وتحديد وصياغة السياسات النقدية الوطنية.
إن اضطلاع البنك المركزي بمسؤولية إدارة السياسيات النقدية في القطر السوري، تضع على عاتق البنك المركزي تنفيذ مهمة في غاية الدقة، ومن أبرز هذه المهام نجد:
• إدارة التوسع والانكماش في حجم النقود: السوق النقدية السورية تتميز بالاتساع والعمق، وذلك  بسبب الديناميكيات الموسمية المستمرة في الأسواق المحلية، وارتباطها الخارجي العابر للحدود، الذي يتمثل في الدخل النقدي غير المنظور (invisble receipts)، بفعل تأثيرات السياحة والتحويلات الخارجية. ولما كانت المتابعة الإحصائية لهذه العمليات تعتبر أمراً في غاية الصعوبة، (ليس بالنسبة للبنك المركزي السوري وحده، بل وحتى بالنسبة للبنوك المركزية في البلدان المتقدمة)، فإن البنك المركزي السوري استطاع حتى الآن أن يسيطر على عملية ضبط حركة التوسع والانكماش داخل السوق النقدي السوري، بدليل الثبات النسبي لسعر الليرة السورية إزاء العملات الأجنبية الرئيسية مثل الدولار واليورو والريال السعودي.
• ضبط الحجم الأمثل للسيولة في الاقتصاد الوطني: حجم السيولة هو حجم النقود، ودورة السيولة في الاقتصاد تشبه الدورة الدموية في جسم الإنسان، ولما كان القلب يقوم بضخ الدم في الجسم، فإن البنك المركزي يقوم بضخ السيولة النقدية في جسم الاقتصاد، وذلك من أجل (تروية) القطاعات التي تحتاج إلى نمو، وإضعاف نمو القطاعات التي يمكن أن يؤدي نموها إلى الإضرار بحيوية الاقتصاد السوري.
هناك ملاحظات كثيرة على أداء البنك المركزي في هذا الجانب، وعلى سبيل المثال يتوجب على البنك المركزي ضخ وتوجيه السيولة إلى القطاع الزراعي خاصة وأن هناك ارتفاعاً متزايداً في أسعار السلع الزراعية الاستهلاكية الرئيسية، وهذا الارتفاع يمثل مؤشراً لزيادة الطلب، الأمر الذي يقابله من الناحية الأخرى زيادة في العرض، وذلك حتى لا تتصاعد وتتزايد أسعار المواد والسلع الغذائية الاستهلاكية بشكل يستنزف دخل الفرد وقدرته الشرائية، ومن ثم فإن ضخ السيولة لدعم ورفع معدلات الإنتاج الزراعي يؤدي بالضرورة إلى تركيز الأسعار، ونعتقد أنه في حالة عدم إسناد القطاع الزراعي فإن السلع الزراعية سوف تواصل ارتفاعها ولن يكون من حل سوى اللجوء إلى زيادة الأجور، وهو أمر لن يحل المشكلة ، بل سوف يؤدي إلى زيادة السيولة في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يؤدي إلى عواقب اقتصادية يعرفها جيداً كل خبراء الاقتصاد الكلي بالبنك المركزي.
كذلك هناك (صدمة) الطلب على العقارات، وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار الإيجارات، ولما كانت سوريا من بين البلدان السياحية الرئيسية في العالم، فمن الأفضل أن يلجأ البنك المركزي إلى إسناد القطاع العقاري، وذلك حتى تتسع قدرته الاستيعابية بما يحقق استقراراً في الأسعار، على النحو الذي يؤدي إلى استقرار مستويات السياحة القادمة إلى سوريا، بل ويشكل حافزاً لقدوم المزيد منها.
تبعاً لنظرية البنك المركزي، أي بنك مركزي، فإن البنك المركزي السوري، كما هو مفترض، يتوجب عليه القيام بالمهام الآتية:
- احتكار وإصدار وتنظيم العملة: البنك المركزي السوري هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن إصدار وتنظيم تداول الليرة السورية، وبرغم نجاح البنك المركزي في الدفاع عن الليرة، إلا أن هناك جوانب أخرى على البنك المركزي القيام بها، وتتمثل في تطوير نماذج أوراق البنكنوت بما يتماشى مع المواصفات والتطورات العالمية، إضافة إلى ضرورة تنويع الفئات الورقية والمعدنية بما يحقق الكفاية والمرونة في المعاملات التجارية اليومية.
- القيام بدور بنك الحكومة: ولما كان البنك المركزي، بالضرورة، المسؤول عن حفظ الحسابات والأرصدة الحكومية، فإن على البنك المركزي السوري أن يشدد على ضرورة إيداع وحدات القطاع العام لحسابات وأرصدتها بالبنك المركزي حصراً، وأن لا يتم تعامل هذه الوحدات مع البنوك التجارية إلا بإذن رسمي من البنك المركزي، وذلك حتى لا تدخل الأموال الحكومية ضمن السقوف الإنمائية الخاصة بالبنوك التجارية.
- القيام بدور بنك البنوك: على البنك المركزي السوري تطوير الأساليب الكمية والكيفية لممارسة وظيفة الرقابة والإشراف على أداء شبكة الجهاز المصرفي في سوريا، خاصة وأن هناك بعض البنوك الخاصة المشتركة قد زاولت العمل داخل الأسواق السورية، ووجود هذا النوع من البنوك يمكن أن يؤثر إيجابياً على الاقتصاد السوري إذا تم الإشراف عليه بكفاءة وفعالية، أما إذا لم يتم ذلك فإن الكثير من التداعيات السالبة يمكن أن تنشأ، ولسنا في حاجة إلى أن نشير إلى حالات إفلاس البنوك التجارية الخاصة التي سبق وحدثت في بعض البلدان العربية.
كذلك على البنك المركزي السوري العمل على دفع المصارف الوطنية من أجل الإبقاء بمعايير كفاية رأس المال وفقاً للمواصفات والشروط الممكنة، على النحو الذي يساعد البنك المركزي كثيراً في القيام بإدارة المخاطر المالية والنقدية في الاقتصاد السوري.
وعموماً نقول: إن عملية الإصلاح الجارية تتضمن الإصلاح المصرفي، وإصلاح القطاع المصرفي يجب أن تكون نقطة البدء فيه هي إصلاح البنك المركزي، ونتمنى أن يطرح البنك المركزي السوري تصوره وخطته للإصلاح، وتقديراته لدوره الجديد الذي يمكن أن يقوم به من أجل تحسين وتطوير وترقية الأداء النقدي في الاقتصاد الوطني السوري.

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...