سوريا وتركيا: «معركة العلمين» وقارعو طبول الحرب
تعكس وسائل الإعلام التركية، وخصوصا تلك التابعة مباشرة للدولة أو تلك القريبة من الحكومة وحزب العدالة والتنمية، خطابا متوترا تجاه العلاقات مع سوريا منذ اللحظة الأولى لبدء حركة الاحتجاجات في سوريا.
ولا تكتفي هذه الوسائل بانتقاد النظام في سوريا والرئيس بشار الأسد شخصيا بل تحرّض في اتجاه تصعيد المواقف وتقديم المقترحات التي ليس آخرها عزل سوريا وفرض عقوبات عليها وتشكيل تحالف عسكري لإنهاء النظام في دمشق.
بقدر ما يرتفع التوتر في هذا الخطاب، والذي تعبّر عنه أكثر من غيرها صحيفة «يني شفق»، شبه الناطقة باسم حزب العدالة والتنمية، بقدر ما يعكس إحباطها من مسار التطورات في سوريا وقدرة النظام على درء المخاطر فتلجأ إلى سياسة الهروب إلى الأمام.
وليست قضية «العلمين» سوى مثال على التخبط الذي تقع فيه بعض وسائل الإعلام التركية. فقد ورد في تقرير لمحطة «تي آر تي» التركية الرسمية أمس انزعاج الأتراك من إنزال الجيش السوري العلم التركي، الذي كان رفعه معارضون سوريون على مبنى مواجه مباشرة للحدود التركية قرب قرية خربة الجوز. وعكس التقرير ردة فعل مستهجنة، وهي أن الموقع العسكري التركي المقابل للتلة السورية بادر إلى رفع علم تركي ضخم على الموقع، وأظهرت ذلك على الشاشة.
يبدو أن كل الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية بين دمشق وأنقرة تكاد تتبخر بـ«رفعة علم» على الحدود التي قيل إنها فتحت واندمجت وباتت رمزا للتكامل بين شعوب المنطقة. بـ«رفعة علم» وإنزال آخر تختصر الآن العلاقات بين البلدين «الجارين».
ومع أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم بدا حريصا على استمرار العلاقات «الجيدة» بين الطرفين، فقد بدا واضحا أن الأمور ما عادت تحتمل التمنيات والمشاعر والعواطف. إذ ليس طبيعيا أن تنهار الثقة بين الجانبين عند أول امتحان. لذلك خرج المعلم عن صمته، وقال بهدوء إن «بين سوريا وتركيا أكثر من 850 كيلومترا تؤثر فيها تركيا ونؤثر نحن فيها».
ليس هذا الكلام تهديدا بأن بيد سوريا أوراقا تواجه بها تركيا، لكنه كان بمثابة دعوة للمسؤولين الأتراك، وكذلك للإعلام التركي، بأن يدركوا أن لتدخلاتهم التي تتخذ شكل «نصائح « يومية و«كتيّبات إصلاح» حدودا وأن الحرص على استمرار العلاقات الإستراتيجية لا يكون بالتحريض اليومي لوسائل الإعلام الرسمية قبل الخاصة وذرف الدموع على إنزال العلم التركي عن تلة سورية كما لو أنها تلة تركية.
وكالة أنباء قريبة أيضا من الحكومة تحدثت عن إطلاق جنود أتراك طلقات تحذيرية لدى إنزال العلم التركي عن سطح المبنى المقابل.
وفي وقت دعت صحيفة «يني شفق» إلى أن تتخذ تركيا كل الإجراءات، بما فيها التدخل العسكري لوضع نهاية لنظام البعث في سوريا، كان الكاتب المعروف جنكيز تشاندار يدعو في صحيفة «راديكال» الحكومة التركية إلى خلق القاعدة القانونية والشرعية للقيام بخطوات ضد سوريا. وقال إن «هدف المطالب التركية من سوريا هو خلق مــثل هذه الأرضية القانونية للتدخل (!)».
واعتبر تشاندار أن سياسة تركيا الخارجية انتقلت من «تصفير المشكلات» إلى «التغيير الشعبي». وقال «إن (رئيس الحكومة رجب طيب) اردوغان الذي نال 50 في المئة من التأييد الشعبي يجب أن يكون هذا حافزا له لاتخاذ موقف حاسم ضد سوريا البعثية والدكتاتورية الظالمة».
تلتقي كل هذه التحريضات مع خشية وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من حدوث انفجار عسكري على الحدود بين تركيا وسوريا.
ليست صورة الشرق الأوسط الجديد الممتلئ بالفتن والتقسيمات الإثنية والدينية والمذهبية، بخافية على قارعي طبول الحروب في الإعلام التركي. وهم قبل غيرهم يعرفون أن ما يروّج له الغرب وإسرائيل من شرق أوسط جديد عثماني بزعامة تركيا، ولا تتردد بعض النخب التركية الفكرية والسياسية في الانخراط فيه، سيكمل طريقه من دون إذن إلى الأناضول.
محمد نور الدين
المصدر: السفير
التعليقات
لعبة شد الحبل
حتى الخراف لها ذاكرة
حبل المشنقة الإقليمي لسوريا
إضافة تعليق جديد