فتجنشتاين

09-11-2022

فتجنشتاين

بيتر سلوتردايك - ترجمة: جميلة حنيفي

نصف قرن تقريبا بعد وفاته، ما يزال اسم الفيلسوف لودفيغ فتجنشتاين –مثله مثل اسم مارتن هيدغر- جزءا من الميثوس الفكري للقرن العشرين. حتى لو بدا أن تمييز جيامباتيستا فيكو بين الفلسفة المدنية والفلسفة الرهبانية قد أصبح قديما مذ الثورة الفرنسية، إلا أن المرء يميل إلى إعادة تفعيله باسم فتجنشتاين. وإلا كيف بمقدور المرء تفسير بروز ظاهرة فتجنشتاين في قلب عصر الفلسفات السياسية والأوهام الكفاحية إلا بوصفها ثوران متجدد للتفكير على نمط عزلة الناسك عن العالم؟ إن جزءا من السحر المتلألئ والدائم لمنتج فتجنشتاين والهالة النورانية المتحفّظة لحياته يتمثل في العودة غير المتوقعة للعنصر الرهباني إلى المركز الأخلاقي للثقافة البورجوازية. بالفعل، أكثر من أي شخص آخر، يشهد فتجنشتاين إذا على الانسحاب الأخلاقي لنخبة مثقفة من جملة ظروفٍ وضيعة.

أن يكون الموجود البشري شيئا ينبغي تجاوزه: هذه قناعة كانت حاضرة لدى نخبة العالم المثقف في فيينا ما قبل الحرب الكبرى، ليس فقط في شكلها النيتشوي أو كفلسفة حياة؛ إنها أكدت ذاتها أيضا في أشكال عبادة بورجوازية للقديس، هناك في المركز حيث تقف شخصية العبقري الفنية والفلسفية. لقد كانت مسؤولية تلك الشخصية أن توفر الخلاص من الغوامض والوضاعة؛ كانت مهمتها أن تبين للشباب الطموح المتعنّت السبيل المؤدية من أعماق الشيوع المعيب إلى أعالي مرتفعات الدعاوي المتحوّلة. أصبحت العظمة واجبا بالنسبة إلى العبقري، وتجاوز الذات بمثابة شرط أولي للوجود. بالنسبة إلى فتجنشتاين الشاب هذا يعني أن الموجود البشري عبارة عن حبل مشدود بين ما هو حيواني وما هو منطقي.

إن قصة حياة فتجنشتاين وفكره عبارة عن شغف عقلٍ سعى إلى البحث عن تفسير مكانه في العالم وعلى تخوم العالم. ما أدركه العالَمُ المزامنُ للفيلسوف كهالة صارمة وطموحة كان التوتر الشديد لإنسانٍ في حاجة إلى تركيز دائم على مبادئ نظامه مغبة ألا يفقد عقله. بوصفه أحد السكنة على تخوم الكينونة، فإن الفيلسوف أبدا ليس يشغله شيئا آخر أقل من معسكر العالَم في مجمله، حتى إذا كان الأمر يتعلق بمجرد التمعن في الاستعمال الصحيح لكلمةٍ بداخل جملة. كان يشعر كما لو أن العالم بكل نظامه يمكن أن يضيع في الامتداد الموجود بين جملتين. هكذا يصبح الفكر بالنسبة إليه إبحارا فيما بين جزر الوضوح الصوري المشتتة في شساعة اللاوضوح. في الواقع إن فتجنشتاين مفكرٌ ترك وراءه عملا مؤلفا من جمل معزولة .وإن حاجته الملحة للدقة هي التي كانت ستجعل منه شهيد اللاتناسق. لقد كان هو نفسه واعيا بصفة مؤلمة بكونه يعاني نوعا من عصاب لورد كوندوس Lord Chandos –وهو عبارة عن توتر في القدرة على توكيد تناسق العالم من خلال الكلمات وعلى الإيمان بهذا التناسق المزعوم. خلال كل حياته فشل فتجنشتاين في الاستجابة لتحدي كتابة “نص” حقيقي، بمعنى خطاب متواصل. شعر بشكل حماسي أكثر من أي مفكر قبله بمصاعب الروابط أو أدوات الوصل، ولم يشغله أي مشكل طوال حياته سوى استحالة الانتقال من توصيف الوقائع إلى المبادئ الأخلاقية. تعبر ملاحظاته عن صرح من التردد الألمعي المفرط للغاية في إبداع العالم في نص متناسق. وتشهد كتاباته في حداثتها الجذرية على انحلال التماثل بين كوسموس دائري ونثر متدفق. لكن مرد ذلك تحديدا هو كون فتجنشتاين لم يعد قادرا على أن يكون فيلسوف النسق والكلية، فيلسوف القضية-السعيد، على النمط التقليدي، لقد قُدّر له وبشكل فعلي أن يرفع الستار عن ترقيعات ألعاب الحياة المحلية وقواعدها. ما يفسر لماذا أصبحت نظريته في ألعاب اللغة أحد البراهين الأكثر قوة للتعددية الحداثية وما بعد الحداثية.

إذا عدنا اليوم إلى الوراء وعلى مدى موجات تلقي فتجنشتاين، بمقدور المرء أن يقول الكثير على الأقل بخصوص الأهمية التاريخية لهذا الشخص المميّز المنحدر من فيينا، والذي انتهى به المطاف في عالم الباحثين البريطانيين: لقد لقّح العالم الأنجلو-أمريكي بجنون الفرق الأنطولوجي من خلال حث التجريبي ما قبل النقدي على الاندهاش، ليس من الطريقة التي صِيغ بها العالم، بل لكون العالم موجودا. كما أصاب، في الآن ذاته، الفلسفة القارية بعدوى فكرة جديدة حول النمط الدقيق، الذي ولّد ثمارا مزدهرة في وسط المدرسة التحليلية. يبدو أن كلا الطرفين، حتى الآن، يوجدان في مسار تجاوز مرحلة ردود الفعل الأولية والمنيعة. منذ الدراسة الكلاسيكية التي أنجزها ألان يانيك Alan Janik، وستيفان تولمان Steven Toulmin الموسومة ب: فيينا فتجنشتاين Wittgenstein’s Vienna يبدو أن المسرح مهيأ للالتزام بتناول جيدٍ لمحفزات الناسك الساحر. من بمقدوره مواصلة الإحالة إلى فتجنشتاين فقط بهدف تنصيبه شفيعًا لألعاب الذهن العجيبة؟ من ذا ما يزال بمقدوره فضحه بوصفه المدمر الوضعاني لثقافة الفكر الغربي؟ إن ما يتولد، بعد شحوب التشوهات الارتكاسية، هو وجه مفكر سوف يعدّ بلا شك من بين عَرَّابي ذكاء المستقبل. حتى في قسوته المنطقية وانحيازه الإنساني تحملُ شدّة فتجنشتاين هدايا لا تقدّر بثمن للأجيال القادمة. إنها تشهد، لكل أولئك الذين استيقظوا على التفكير بعدَهُ، بأن الأسئلة الأخلاقية أصبحت أكثر صعوبة. إذا كان يتوجب علينا وبمقدورنا يوما أن نكتب نقد العقل الاستشهادي أو العقل الحامل-للشهادة -وبالتالي الأخلاق الصالحة- فإنه يجب أن يُخصص فصل حاسم لهذا الإنسان الذي كان فتجنشتاين. لقد كان من بين أولئك الذين سُلخوا أحياءً، أولئك الذين يعرفون أكثر من الأخرين ما تعنيه اللباقة تحت وطأة التوتر. في خضّم أعماله المكتوبة والمسكوت عنها، يجب على المرء أن يضع في الحسبان المجهود الرائع الذي تكبّده كونه قد تحمّل نفسَه، وتحمّل كذلك حياته الخاصة “الرائعة”.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...