المشاكل القانونية للمحكمة الدولية

20-11-2006

المشاكل القانونية للمحكمة الدولية

يطرح إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، عدداً من المشاكل الحقوقية التي تستدعي الحل قبل إبرام الاتفاق الخاص بها. فأداة إنشاء المحكمة معاهدة دولية ستحل محل سلطات دستورية لبنانية، وستقيّد سلطات دستورية ببعض الموجبات، وهي معاهدة سيستمر تنفيذها سنوات، ثم هي محكمة خاصة، وهي محكمة جزاء. وكل من هذه الأوصاف يطرح مشاكل قانونية خاصة.
ــ هي معاهدة دولية: لأنها اتفاق بين ذوات من أشخاص القانون الدولي العام، وهذا يخلق وضعاً قانونياً أساسياً ناجماً من تلاقي إرادتين.
وهذا يستدعي تطبيق الدستور والقانون الدولي العام في أحكامهما المتعلقة بإنشاء المعاهدات.
والدستور اللبناني في المادة 52 يولي هذا الأمر رئيس الجمهورية، من حيث ورد النص: «يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة...»، إذاً المبادرة هي في يد رئيس الجمهورية.
ــ حلولها محل السلطات الدستورية اللبنانية: هذه المحكمة لا تحل محل السلطة القضائية فقط، بل ومحل السطلة التشريعية أيضاً:
أ ــ حلولها محل السلطة التشريعية: ورد في المادة 28 من مسودة الاتفاقية: «يضع قضاة المحكمة... قواعد الإجراءات والأدلة مع حق تعديل ذلك»، «ويسترشدون بقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وبالمراجع التي تعكس المعايير الدولية للأصول الجزائية».
إذاً هم ليسوا ملزمين بالقانون اللبناني، بل يسترشدون به استرشاداً، وهم يسترشدون أيضاً بقواعد أجنبية، وهذه مشاركة في السلطة التشريعية لا يجوز أن تحصل إلا بتعديل المادة (16) من الدستور التي تنص على أن «تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب».
ب ــ حلولها محل السلطة القضائية اللبنانية: في هذا الأمر، يتعارض إنشاء المحكمة مع المادة العشرين من الدستور اللبناني التي تنص على ان «السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون...».
وهذا يعني أن المحاكم اللبنانية، وليس غيرها، هي التي تتولى السلطة القضائية، وأن «السلطة المشترعة» يتولاها مجلس النواب اللبناني، والسلطة الإجرائية يتولاها مجلس الوزراء اللبناني. ومن هنا، يحتاج إيلاء هيئة غير لبنانية شيئاً من صلاحيات السلطة القضائية الى تعديل المادة (20) مـــــــــن الدستور، ولـو في شكل استثنائي.
أما القول بأن المسألة من المسائل التي تحل بالقانون، بدليل ما ورد في المادة نفسها من أن المحاكم تتولى هذه السلطة «ضمن نظام ينص عليه القانون»، فهذا لا يعني أكثر من ان النظام يوضع بقانون فيما المبدأ دستوري.
ــ تقييدها السلطات الدستورية بإلزامات: إنها تشترط على الجهة اللبنانية أن تتنازل عن حق العفو (م 16 من المسودة) المكرس في المادة 53/9 من الدستور، سواء أكان عفواً عاماً أم خاصاً. وحتى تستطيع السلطة التشريعية، صاحبة الصلاحية بمنح العفو العام، التخلي عن هذا الحق، أو يستطيع رئيس الجمهورية أن يتخلى عن حقه بمنح العفو الخاص، لا بد من تعديل المادة 53 فقرة 9، ولو في شكل استثنائي أيضاً.
ــ استمرارها: إن هذه المحكمة ستستمر لعدة سنوات، والاتفاق المنشئ لها، يلزم الدولة اللبنانية حتى انتهاء أعمال المحاكمة وإصدار الأحكام. وقد نصت المادة 52 من الدستور على أن «المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، لا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب»، إذاً لا بد لقيام المحكمة من تدخّل البرلمان.
وهي من جهة أخرى، تستدعي تدخّل البرلمان إذا كانت الدولة اللبنانية ستمولها أو ستساهم في تمويلها. علماً بأن المسودة أغفلت هذا الأمر، بعد أن كان قد ورد في المسودات السابقة وفي القرار 1664.
ــ محكمة خاصة: أي إنها ليست من الجسم القضائي العادي، وفي هذه الحالة، هي استثناء، والمحاكم الاستثنائية التي تُنشأ لمهمة معينة، يجب أن تنحصر صلاحيتها في هذه المهمة فلا تتعداها، ويجب أن تحدد المهمة بدقة، فهي أنشئت على أساس من الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ومن هنا تتناقض التعابير الفضفاضة من مثل أن تشمل صلاحياتها جرائم ارتكبت في مهلة زمنية محددة ثم يقال «أو أي تاريخ لاحق يقره الفريقان وبموافقة مجلس الأمن»، مع القاعدة العامة المشار إليها، ومع مبدأ قانوني عام.
ــ محكمة جزاء: ولكونها كذلك يجب أن تكون النصوص التي ستعتمدها دقيقةً ومحددةً، وأن تفسر تفسيراً ضيقاً، وهذا أيضاً من المبادئ القانونية العامة في مسائل الجزاء، نظراً إلى خطورتها ومساسها بالحرية والملكية الخاصة وحتى الحياة.
ومن هنا، لا يجوز ان تترك الحرية للقضاة في اختيار ما يشاؤون من قواعد إجرائية، كما ورد في المادة 28 من المسودة التي ذكرناها سابقاً.
ولا يجوز منحها الحق في استخدام نصوص لا تتفق مع موضوع نشاطها، كبعض أحكام قانون 11 كانون الأول 1958(م 6 و7)، المتعلقة كما ورد بتشديد العقوبة في حالات «التمرد والحرب الأهلية والصراع الطائفي»، علماً بأن الجريمة تنطبق عليها المادة (6) من القانون المذكور، وليس أوصاف «التمرد والحرب الأهلية والصراع الطائفي».
فالجريمة عُدّت عملاً إرهابياً، والعمل الارهابي تطاله المادة السادسة من القانون المذكور التي تنص على ان: «كل عمل إرهابي يستوجب الأشغال الشاقة المؤبدة. وهو يستوجب الإعدام إذا أفضى الى موت إنسان أو هدم بنيان، بعضه أو كله وفيه إنسان....».
إذاً كان من الواجب التحديد هنا وعطف المادة السابعة على السادسة، وعدم التورط في الكلام على «التمرد والحرب الأهلية والصراع الطائفي».
قد يطرح بعضهم هنا أن هناك تجربة دولية لم تستدع كل هذه الاحتياطات فلماذا اشتراطها هنا؟
إن الرد هو أن المحاكم التي أنشئت لدول أخرى كيوغوسلافيا السابقة ورواندا، إنما أنشئت لمحاكمة مسؤولي الدولة أنفسهم، لا لمحاكمة أشخاص يتهمهم مسؤولو الدولة.
ثم إن تلك المحاكم أنشئت بناء على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا يحتاج إلى موافقة الدولة صاحبة العلاقة.

محمد طي

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...